الغزالي
81
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدّثهم فلم يكذبهم فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوّته » . ومدح أعرابي قوما فقال : شغفوا برعي الأمانة فلا يغدرون بذمّة ، ولا ينتهكون لمسلم حرمة ، ولم تعلق بهم ذمّة ، فهم خير أمّة . أقول : وهؤلاء الذين مدحهم الأعرابي قد انقرضوا فلم نر في هذه الأزمان إلا ذئابا في ثياب كما قال : بمن يثق الإنسان فيما ينوبه « 1 » * ومن أين للحرّ الكريم صحاب وقد صار هذا الناس إلا أقلّهم * ذئابا على أجسادهن ثياب وكما قال آخر : ذهب الذين يقال عند فراقهم * ليت البلاد وما بها تتصدّع وعن حذيفة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن الأمانة سترفع ، ويصبح الناس يتبايعون ، وما يكاد أحد منهم أن يؤدي الأمانة ، وحتى يقال : إنّ في بني فلان أمينا » . واعلم : أن التوبة واجبة بالأخبار والآيات ، قال اللّه تعالى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ « 2 » وهذا أمر على العموم . وقال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً « 3 » ومعنى النصوح : الخالص للّه تعالى خاليا من الشوائب مأخوذ من النّصح ، ويدلّ على فضل التوبة قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ « 4 » . وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « التائب حبيب اللّه ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له » . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « للّه أفرح بتوبة العبد المؤمن من رجل نزل في أرض
--> ( 1 ) ينوبه : يصيبه . ( 2 ) سورة النور ، الآية : 31 . ( 3 ) سورة التحريم ، الآية : 8 . ( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 222 .